تقف مذهولاً من الأحداث التي يترأسها “الموت”.
تبقى متعباً من التفكير في الأسباب.
ثم تعود مقتنعاً أن “الموت” هو ديدن النهايات.
فالشاعر يقول:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره/
تعددت الأسباب والموت واحد

في تتابع من الأيام و انقضاء المدة المتاحة لوجود أحدنا على الأرض ، لا بد من مقدار من القلق الوجودي التي يراود الروح لتظل متحفزة و تتنبه إلى الأعمال و المهام غير المنتهية التي يفترض أنها تشكل جميعاً لوحة واحدة هي:
“MY MISSION ON EARTH”
و قلنا إن الاختيار هو عماد الأداء الانساني و على هذا الاختيار أو سلسلة الاختيارات التي بدأت مع أول لحظة وعي بدأناها، ينتظم و يرتسم إجماليّ مشهد حياتنا على لوحة “العمر”.
.
.
أيضاً قلنا أن الرب عز وجل ليس مراقب فحسب، بعد كونه هو الخالق و المعد لهذا العالم من أصله و الراعي له حتى منتهاه، بل هو داعم و ضامن لكل فرد منا لإنجاز مهامه لأنها “من المفترض” تصب في تحقيق الرؤية الإلهية المبتغاة من إيجاده
لهذا العالم..

مهما كانت المفاهيم السابقة حقيقية
نظل كأفراد نختبر “صدقيّتها” في تجربة كل يوم و كل موقف.
هل الله معي؟
هل الله يساعدني؟
هل الله يدري بمعاناتي؟
هل الله يمنحني منحة ذكاء اضافية
أو منحة صبر اضافية او قوة او بصيرة أو …
أو أي شيء انا محتاج إليه الآن الآن؟
هل يدير لي بالاً؟
هل أنا موضع اهتمامه شخصياً؟
هل يقرر شيء تجاه نقاط ضعفي؟
هل يخفف عني الضغوط أم يزيدها؟ بل…
ما سياسته في كمية الضغوط التي
يضعها في طريقي، على فؤداي في كل يوم و يشاء أن تكون؟
إن تلك الأسئلة و أخواتها
تمثل مفرق طرق!
نعم ـ إذ أنها إن لم تكن كلها لها جواب : نعم فإن المحصلة كومة من العشوائية التي لا يمكن أن تستمر حياتك بعدها بطمأنينة، البتة.

إن لم يكن لدى الواحد منا إيمان راسخ في قاع قلبه…
و منتشرة أغصانه في أرجاء روحه بحقيقة أن الله”معنا”
فيا ترى ما هي البدائل؟
الله معي شخصياً أنا فلان بن فلان
و معك أنت فلان بن فلان
و معك أنت فلانة بنت فلان.
إما هكذا أو جحيم العشوائية الوجودية.
الحقيقة أن أول و أهم الاختيارات في سلسلة الاختيارات
الانسانية قبل أن تكون فعلية و إنشائية هي ذهنية و قلبية
هي هناك في نواحي القلب.
بمَ تؤمن ؟
بمَ تكفر ؟

رحلة الحياة على هذا الكوكب
و مدى النجاح المتحقق فيها يمكن
إرجاعه إلى ثلاثة عوامل تناولها الله الجليل في كتابه القرآن الكريم :
الله
الشيطان
النفس

كل ما سوى ذلك هي لعبة الاختيار
في ساحات المواجهة.
(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ )
آل عمران-30
(إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا)
فاطر-6
(قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا)
الشمس -9
(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى)
النازعات -40
(مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ)
النساء -79
التحذير و التخويف من “الله” حسب إفادة القرآن الكريم….
مؤداه العملي دعوتنا لـ “التقوى” و عند الرجوع للتقوى و منافعه
في القرآن الكريم نجد الكثير لكن أبرز ما يمكن ذكره الآن…
و في سياق البحث الانساني عن نجاح اختياراته ، هو أن التقوى
تجلب للمتقي “الفرقان”
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا)
الأنفال-29

و مؤدى اتخاذ الشيطان عدو حقيقي
هي مواجهته و اليقظة أمام مكره و حيله مواجهة واعية و جادة. و رغم إمكانيات الشيطان فإن القرآن الكريم قال لنا جميعاً :
(إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)
النساء-76

تبقى النفس.
أنت ذاتك. كيف تواجه نفسك؟
العجيب أن القرآن الكريم لم يضع أي إشارة للناس أو البيئة أو الطبيعة باعتبار أي من ذلك عامل من عوامل نجاح أو فشل المهمة المناطة بنا على الأرض!
نعم ذكر الناس و ذكر الآباء و الأزواج و الأولاد و الأموال كعوامل “اختبارية” و بالمصطلح القرآني “فتنة”، لكن
لم يجعل أي منها قوة نافذة إلا إذا ….
كانت هناك “خروقات أمنية” في النفس!
إلا إذا كان هناك “فشل” في تأمين النفس و حمايتها ضد “الهوى” و “ألاعيب الشيطان”.
إلا إذا كان هناك إخفاق في “الاستعاذة بالله”
و الدخول في حيز ولايته.
(وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ)
فصلت -36
ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( 62 )
الذين آمنوا وكانوا يتقون ( 63 ) لهم البشرى في الحياة الدنيا…(64)
ص-62-64

السؤال الحرج هو :
هل نصدق القرآن الكريم؟
و إذا صدقنا ، فهل ننفذ التعليمات؟
هل أحدنا جرب و اكتشف “عدم مصداقية” التعليمات؟

لقد ذكرنا سابقاً أن القرآن الكريم صرح بأن الانسان تحمل
أمانة شاقة رفضت حملها السموات و الأرض ، و قلنا أن الانسان يمثل “وسيلة” لله ليحقق رؤيته التي سألته عنها الملائكة ….
(إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة! قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لك ؟ قال إني أعلم ما لاتعلمون!)
البقرة -30
و نعلم يقيناً قرآنياً أن الإنسان “ضعيف”
( وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا )
النساء -28
و هنا نحن أمام أمرين لا ثالث لهما
1- تحميل كائن ضعيف لا يملك من أمره شيء مهمة تحقيق رؤية إلهية و تركه يتخبط في أمواج الحياة الأرضية.
2- تحميل كائن ضعيف لا يملك من أمره شيء مهمة تحقيق رؤية إلهية بضمانة توفير إسناد من الكائن القوي
“الله” عز وجل و لكن وفق سياسة لتحصيل ذلك الإسناد.

رغم كل ما يبدو في المشهد من تعقيد إلا أن جثواً على الركبتين أمام جلال الرب في صيغة هيكلية دالة على الضعف و فؤادٍ معترف بالحاجة للمدد ، هو كل ما يلزم لتنزيل الإسناد الرباني على قلب الاختيار الانساني و من ثمة … لا ثمة إلا النصر … لأن الله ذاته قال:
(إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)
غافر-40
و لكن
ماذا عن ذلك السؤال الحرج أعلاه؟

 

اترك تعليقاً