تقف مذهولاً من الأحداث التي يترأسها “الموت”.
تبقى متعباً من التفكير في الأسباب.
ثم تعود مقتنعاً أن “الموت” هو ديدن النهايات.
فالشاعر يقول:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره/
تعددت الأسباب والموت واحد
.
.

الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ذَٰلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3) فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9) ۞ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ (11)
سورة محمد.
.
.

لا يتوقف الجهاد عند مواجهة النفس وضبط ميولاتها. بل من هناك يبدأ.
بل لقد قيل أن أنفسكم ميدانكم الأول فإن قدرتم عليها كنتم على غيرها أقدر.
.
في حالة التناغم و الاندماج في رؤية الانسان لذاته و رؤية الله له ، الرؤية الوظيفية ، فإنه لا بد من أن يجد الإنسان نفسه في مواجهة أعداء الله و أن يجد
نفسه ممثلاً لأنصار الله بل من أنصاره.
و رغم أن الله ذكر في القرآن الكريم أكثر من 140 مرة
لفظة النصر باشتقاقاتها المتعددة، و رغم أنه شدد على
أن النصر قرار حصري بيده هو لا سواه ،إلا أن ذلك لا يمنع
الانسان من التساؤل عن مغزى الاعتماد على الانسان
في تحقيق مبتغى “الله” لدرجة ان الله يقول في الآيات أعلاه
أنه لو يشاء لانتصر …ثم يستدرك فيقول و لكن…
ليبلو بعضكم ببعض !

هذا السؤال ليس إلا امتداد لسؤال أصيل قديم
بدأ مع ولادة الانسان :
إذا كان الله يعلم من سيصلح و من سيفسد فلم لم يضع كل منهما في موضعه …
أهل الجنة في الجنة و أهل النار في النار و انتهينا ؟!

فالله يستطيع من أول القصة ان ينتصر و مع أول نبي بل عبر أو لرسالة أن يحقق النموذج الإلهي الذي يريد و يحكم العالم كله بكلمته.
.
.
و لكن ليس ثمة تحقق للرؤية الإلهية كما يبدو في ذلك السيناريو.
لذلك تقرر أن السيناريو يختلف و يتخذ المسار المترابط بـ “الاختيار الانساني” و تجليته عبر مواقف أممية متتالية على مر العصور و عبر أجيال من البشر تتوالى على الأرض لتتمثل محاربة الشر للخير و لتتخير موقعها من المعركة المزمنة بينهما.
لتتخير أنت و أتخير أنا موقعنا في المعركة .

.
.
إن كلمة البلاء في أصل معناها تعني:
الاختبار للتعرف .
و لكن من يعرف ماذا ؟ هل ليعرف الله شيئاً غائباً عنه….؟
أم لنعرف نحن هويتنا الغائبة في أعماق وجودنا و التي لا تتكشف
و لا تتجلى إلا في سياقات ضاغطة و مستنطقة للصمت الوجودي
الذي يغلفنا ، و مستخرجة لوعينا المستلب من غياهب الغفلة
و غيبوبة الدنيا.
مواجهات متى ما انخرطنا فيها وجدنا  ذواتنا و وجدنا ذات الله و صفاته و وجدنا نسق العالم والوجود يتكشفون و يتكشفون و يتكشفون أمام نواظر قلوبنا و لعمري فإن هذا التكشف هو أول لحظات الشهادة الحقيقية.
.
.
إن الشهادة مبتدؤها أن تشهد.
و الشهود أعظم و أكبر و أوسع
و أعمق من الرؤية أو التصديق
أو التأكيد بل هو يشتمل على تلك
المعاني معاً .
.
.
و ما أعظم تلك التلويحة الربانية
التي تقول :
وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)
سورة آل عمران .

فالشهداء عبر الشهادة و المكاشفة التي تصل أقصى مداها ببذل الروح و إطلاقها من ربقة الحياة الدنيا و التوجه بها نحو العالم العلوي ، ليس يكتب لهم الخلود فحسب بل يكتب لهم مرتبة مكاشفة الحياة في أبعادها المطلقة ليكونوا شهوداً خالدين بدمائهم على واقع المواجهة بين الخير و الشر.

.
.
لحظة من لحظات النهايات التي تجمّل الحياة في موقف يبدو أن الموت سيدها ، لكن الحقيقة هي أن الموت ليس سوى بوابة الحياة المحضة و ذلك حينما نموت في سبيل ” الله” .
.
.
تصفية الذات ليس من شوائب الدنيا
و ليس من كدر الذنوب و ليس من هموم من هنا و غموم من هناك …فحسب

.
.
بل تصفية الذات من ربقة الحياة الدنيا…
تصفيتها من حياة منقوصة !
في ضوء حسابات محسوبة بيننا و بين الناس الذين نعيش معهم ، و بيننا و بين الله الذي، خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك!
فحينما تصفو الروح من عبودية الحياة الدنيا تغدو شهيدة على محدودية هذا العالم و ضرورة الهروب منه لأنه …خانق… كئيب و لا يحتمل وهج ذاتِ احترقت في لحظة وعي بأنها تمثل “الله” على الأرض.
 

اترك تعليقاً