.
.
تقف مذهولاً من الأحداث التي يترأسها “الموت”.
تبقى متعباً من التفكير في الأسباب.
ثم تعود مقتنعاً أن “الموت” هو ديدن النهايات.
فالشاعر يقول:
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره/
تعددت الأسباب والموت واحد
.
.
إن كل ميتة شهادة!
.
.
نعم كل ميتة ٍ ، هي شهادة على
أسبابها و على اللحظة المحتضنة للموت آنذاك.
شهادة على كل مكونات اللحظة، و محتوياتها.
.
.
الموت في حادث مروري هو شهادة على غفلة السائق أو تهور سائق آخر أو عيوب بالطريق أو تأخر الإسعاف أو كل ذلك معاً.
.
الموت على طاولة غرفة العلميات
أو على سرير مستشفى هو شهادة على إهمال المريض لأسباب الوقاية او لضعف قوانين الصحة العامة أو لسطوة المرض و ضعف الحيلة البشرية لمواجهته أو لخطأ الممارسة الطبية أو  لانعدام مسؤولية صاحب القرار في إسناد العمل لمن هم ليسوا بأهل ، أو كل ذلك معاً.
.
.
إن أي ميتة هي شهادة و ميتها هو شهيد. هي شهادة على شيء ما و هو شهيد على شيء ما!
.
و لكن الواقع أن لا أحد يطلق اسم الشهادة إلا على ميتة واحدة! ميتة يكون صاحبها قد مات في سبيل قيمة عظمى أو قيم عظيمة، ميتة واحدة كان صاحبها بدراية مسبقة و عزيمة مؤكدة سائراً نحو تمجيد تلك القيم و لو على حساب ترك هذا العالم و ركوب الموت!
.
إنها تلك الميتة التي يبذل صاحبها
كل لحظة من زمن حياته و كل قدر من طاقة حياته و كل حزء من من ذهنه و فكره و فؤاده لأجل تلك القيم العظمى التي آمن بها و اختارها عن وعي و كامل إدراك أنها تستحق دمه و كل عمره الدنيوي.
.
إن الشهادة لا تطلق إلا على الميتة التي يكون فيها الموت شهادة على أعظم ما في هذا العالم و ليس شيئ سوى العظمة.
و لكن ما أعظم ما في هذا العالم؟
يقولون إن الشهادة هي الموت في سبيل الله!
و الله هو أعظم شيء!
فهل الموت العظيم هو الموت الذي نشهد فيه على الله…
أو -بالأحرى- نشهد فيه لله؟
.
.
الشهيد الذي يقتل و نسميه شهيد
هو شهيد على ماذا ؟
هو شهيد لمن ؟
أسئلة تكررها كلمة “شهيد” مراراً أمام عقولنا!
.
.
في أكثر من 170 موضع بالقرآن الكريم تكرر فيه لفظ “شهد” و مشتقاته لم يرتبط أي منها بالقتال! و حري بنا أن نتأمل في ذلك!
.
.
تمت إضافة صفة “شهيد” قبل أي أحد، لله.
(قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ)
الانعام-19
.
هذا و اضيفت الشهادة أو فعل الشهادة للانبياء و للجوارح – جوارحنا تشهد علينا- و للأمة .
فعندما نقول “الله شهيد” و عندما يقول النبي عيسى عن نفسه في إحدى الآيات :
“و كنتُ عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني…”!
يعني شهيد قبل موته و ليس عند وفاته!!
عندما نتأمل هذه الآيات ، نتساءل ،
و التساؤل دوماً هو مفتاح الاكتشافات…
ما هو ربط وصف القتلى في سبيل الله بالشهداء؟
و ما هي جدوى تعليق وسام الشهادة عليهم؟
.
إن كانت الميتة شهيداً هي الميتة التي ينبغي علينا أن نختارها لأنها أجمل ميتة و أعظم ميتة أفلا يكون من الأولويات ان نتساءل “شهداء” على مَ؟
شهداء لأي شي، لمن؟
.
شهداء لله ؟
شهداء على ان وجود الله حق؟
شهداء على أن ما قاله الله صدق؟
شهداء على أن فعل الله حق؟
شهداء على أن رسالات الله حق؟
شهداء على أن قوانين الله حق؟
شهداء على أن قرآن الله حق؟
شهداء على أن القيم و الفضائل هي الحسن و الجمال؟
شهداء على أن هذا العالم لا يليق بالمؤمنين؟
شهداء على قباحة الظلم و الطغيان؟
شهداء على ظلم الظالمين و جور الجائرين؟
شهداء على تجاوز الحدود و هتك العدالة ؟
.
إن كان هكذا وليس شيء سواه
فإن الشهادة تغدو أمراً مباحاً لكل انسان و متاحاً لكل واع و شريف ، اختار ان يكون في صف الحق و اختار أن يبذل ذاته عقلاً و فؤاداً في سبيل ما هو حق…
و ساحات المعارك تتعدد و أشكال السيوف تتعدد و جراحات الاقتتال مع أعداء الحق تتعدد!
.
.

و ما دمنا نحارب بالسيف او بالكلمة المكتوبة او بالكلمة المنطوقة أو بالمال الشريف ، أو بأي وسيلة اخرى ،
في المواجهات بكل أشكالها و في كل مواقعها في الفكر و الثقافة و في القلوب و الأفئدة ، و في الميادين ،
… ما دمنا نجتهد في الدفاع عما هو حق فنحن في جهاد في سبيل الله
و متى متنا و نحن على هذا الحال
متنا شهداء شرفاء …
عرفنا من عرفنا و جهلنا من جهلنا !
.
.
لكنك تدري …
أنك بذلت كل ما تملك في سبيل ان ينتصر الله في قلبك أولاً ثم في أرجاء هذه الأرض. فما ألذ الموت في الطريق إلى الحبيب الأعظم… لانه يختصر الطريق اليه…
.
.
و ما أجمل أن ينادي ربُــك نفسَك:
“يا أيتها النفس المطمئة ارجعي إلى ربك راضية مرضية و ادخلي في عبادي و ادخلي جنتي”.

CREATE,
CHANGE

اترك تعليقاً